محمد بن عمر التونسي
مقدمة 15
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
حداثته وقتذاك - بالدقة وقوة الملاحظة ، والقدرة على النفاذ إلى أعماق الأمور . وبذا استطاع التونسي أن يدرس حياة الناس على اختلاف سلالاتهم وطبقاتهم ولغاتهم دراسة علمية طيبة « 1 » . أما ترجمة حياة محمد بن عمر التونسي ، فإنه أودعها مقدمة كتابه . غير أن هنالك بعض ملاحظات توجب الالتفات ، وأول هذه الملاحظات أن مصر كانت كعبة حجّ إليها الجدّ سليمان ، والابن عمر ، والحفيد محمد بن عمر . إذ تلقى الجد سليمان علومه الدينية واللغوية في الأزهر ، وشاءت المقادير أن يخرج من تونس للحج فلا يعود إليها ، بل سافر إلى سنار حيث طاب له العيش ونسي أهله في تونس . وشاءت المقادير مرة ثانية أن يخرج سليمان في قافلة من سنار إلى مصر للتجارة ، وأن يذهب عمر ابنه صحبة خاله أحمد بن سليمان الأزهري من تونس للحج ، وأن يلتقى ثلاثتهم في مصر ، فيتواعد الجميع على المقابلة مرة ثانية في القاهرة بعد انتهاء موسم الحج . غير أن أحمد بن سليمان الأزهري مات ودفن في مكة . ولما عاد عمر إلى مصر ولم يجد أباه ، انصرف إلى تلقى العلوم الدينية في الأزهر . ولما أعياه الانتظار ، رحل إلى سنار ، ولكنه عاد إلى القاهرة بعد أن يئس من اقناع أبيه بالعودة إلى تونس . وواصل عمر دراسته في الأزهر ، وتزوج من فتاة مصرية أنجب منها ابنه محمدا سنة 1204 ه ( 1789 م ) ثم انتخب عمر نقيبا لرواق المغاربة بالأزهر . ولما علم عمر بوفاة أبيه ، سافر إلى سنار ليضم اليه اخوة له غير أشقاء ، بيد أنه لم يعد إلى مصر أو إلى تونس ، بل طاب له كذلك العيش في سنار ، وبعدها انتقل إلى دارفور . أما ابنه محمد ، فإنه نشأ في مصر ، وتلقى دروسه في الأزهر ، حتى إذا بلغ الرابعة عشرة من عمره ، اعتزم البحث عن أبيه في بلاد السودان . وشاءت المقادير مرة ثالثة أن يلتقى محمد بن عمر التونسي بصديق لأبيه ، هو السيد
--> ( 1 ) راجع مقال مصطفى مسعد : سلطنة دارفور - تاريخها وبعض مظاهر حضارتها . مجلة الجمعية المصرية التاريخية ، العدد 11 ، 1963 ، ص 219 - 223